يحيى بن معاذ الرازي

158

جواهر التصوف

الباب التاسع عشر الخلوة قال شيخنا يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى : 235 - « العبادة حرفة حوانيتها الخلوة ، ورأس مالها الاجتهاد بالسّنّة ، وريحها الجنّة » [ طبقات السلمى : 26 ] . * الخلوة هي العزلة عن الناس ، يقابلها الخلطة ، وكلّ منهما له عائده في الدّين والدنيا ، وإن كانت الخلوة لها الغلبة في أمور الدنيا والآخرة . . والخلوة قد تكون ضرورية في أوّل الطريق لمريد الآخرة ، والحديث الشريف فيما رواه الحاكم وصحححه ووافقه الذهبي : « إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم ( أي فسدت ) وخفّت أماناتهم ، وكانوا هكذا - وشبك بين أنامله - فالزم بيتك ، واملك عليك لسانك ، وخذ ما تعرف ( أي من أمر الدّين ) ودع ما تنكر ، وعليك بخاصّة أمر نفسك ، ودع عنك أمر العامّة » أي كافة الناس فلا تشغل بالك بهم . سئل نجم الدين كبرى عن الخلوة فقال : انقطاع من الخلق إلى الخالق ؛ لأنه سفر النفس إلى القلب ، ومن القلب إلى الروح ، ومن الرّوح إلى السّرّ ، ومن السر إلى خالق الكل ، ومسافة هذا السفر بعيدة جدا بالنسبة إلى النفس ، وقريبة جدا بالنسبة إلى الله تعالى . * فوائد الخلوة : أ - التفرّغ للعبادة والتفكّر في خلق الله . ب - تحصيل قدر كبير من الطاعات والمواظبة عليها . ج - مناجاة الله ، وتحقّق الأنس به . د - إخلاص العبادة لله بعيدا عن الرّياء والسّمعة . ه - توفر الهدوء وعدم الانشغال بأمور الدنيا ، فيعينه ذلك على جمع قلبه على الله . و - الكفّ عن المعاصي التي يتعّرض لها بالمخالطة كالغيبة والنّميمة والنّفاق والسّباب . فالعزلة في الحقيقة هي اعتزال الخصال المذمومة . ز - عدم مسارقة الطّبع للصفات الذّميمة من جلساء السّوء . * وإن كان في الخلوة كلّ هذه الفوائد ؛ فإن في الخلطة فوائد تنفرد بها ؛ منها : التّعلّم وتعليم الغير ، والنّفع والانتفاع ، ونقل الخبرات .